الخميس، 5 يوليو 2018

أزمة الهوية وغياب الديمقراطية! محطاتي الشهرية في رسالة الأطلس العدد 290 افريل 2000

أزمة الهوية وغياب الديمقراطية!!
 
عبد الحليم هياق

في الذاكرة الشعبية محطات لا تنسى نحتتها الايام المتوالية فأصبحت معالم نتذكر خلالها ماضينا ونبني على ضوئها لنحتفظ بمحطات الانتصار الخالدة لنمجدها ولا ننسى محطات الانكسار حتى لا تتكرر مآسينا. لكن أفريل شهر تكررت أخطاؤنا فيه ولولا السادس عشر منه لجزمت يقينا أنه شهر الانكسارات المتتالية والجراح التي ما زالت تنزف دما.

المحطة الاولى: 20أفريل 1980 مدينتا تيزي وزو وبجاية تشهدان مسيرات طلابية حاشدة للاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية، وبدل أن يتدخل الساسة في العهد الشاذلي تدخل الجيش لينهي ما سماه تمردا طلابيا ليعرف فيما بعد بالربيع الامازيغي تخليدا لمن سقطوا في تلك المظاهرات. واليوم وقد مرت عشرون سنة على تلك الانتفاضة الطلابية مازالت الجزائر كدودة القز التي تريد اختراق شرنقتها مفضلة بذلك السبات العميق على التحليق في أجواء الربيع الزاهية. لتظل الهوية الوطنية حبل التجاذب بين الاطراف المتنازعة سياسيا، والتجارة الاكثر ربحا في المواعيد الانتخابية وحملات الدعاية الحزبية، ومن هذا المنطق صرح زعيم حمس الاسبوع الماضي أن من بين التحديات السياسية التي ستواجه الجزائر مسألة الهوية الوطنية!!، متهما بعض الاوساط التي لم يحددها كعادته بالعمل على تمزيق الوحدة الوطنية!
لتعود بنا هذه الاطروحات الى ما قبل الربيع الامازيغي أو حتى الى ما قبل الاستقلال ليجد دعاة التعددية اللغوية مجالا خصبا للتحرك والمناورة لأن الجزائر في نظرهم لا تتوفر على أية لغة أو لهجة يمكن أن تضمن الاجماع الوطني حولها لتكون الفرنسية بيت القصيد  بالنسبة للمهجنين ثقافيا! ولا أظن أن ابن باديس الامازيغي الحر كان غافلا عما يدور في الذهنية الاستعمارية، أو ما سيدور في كواليس الاكاديمية البربرية بباريس، فكان جوابه رحمه الله  فيصلا لكل مشكك في هوية وانتماء هذا الشعب العريق أما أبناء يعرب وابناء مازيغ فقد جمع بينهم الاسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دابت تلك القرون في السراء والضراء حتى كونت بينهم خلال أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الاسلام
المحطة الثانية:01أفريل 1991  المجلس الشعبي الوطني يصادق على قانون تقسيم الدوائر الانتخابية التي تقدمت به حكومة حمروش، غير مبالية برفض المشروع من قبل اكبر حزب سياسي في ذلك الوقت ممثلا في جبهة الانقاذ التي كانت تسير اكثر من 800 بلدية و32 مجلس ولائي. الامر الذي قاد الجبهة للدخول في اضراب شامل بتاريخ 25 ماي 1991 لتلغي بعد ذلك الانتخابات التشريعية التي كان مقرر اجراؤها في 27 جوان 1991 وتعلن حالة  الحصار، في بلد كان فيه الجميع يتطلع فيه  الى  تلك الديمقراطية  الناشئة بشيء من الامل لكن الخيبة قضت عليه. واذا نظرنا الى هاته المحطة وجدناها وقد صنعت بأنانية واحادية مقيتة لأن التقسيم الاداري لم يكن الهدف منه تحسين التمثيل الشعبي كما ادعت حكومة الاصلاحات بقدر ما كان الهدف منه   تقزيم المد الانقاذي الذي أتى على الاخضر و اليابس ولو أن المسؤولين في تلك الفترة فكروا في مصلحة الوطن العليا بدل التفكير في مصلحتهم الحزبية الجزئية واخذو بمقترحات الحزب الاول في الواجهة السياسية لما وصلنا الى ما وصلنا  إليه اليوم. لكن  عندما تكون الديمقراطية شعارات مزيفة يحملها نظام يريد ببعض المساحيق الكيمائية تحسين وجهه البالي ليصلح عطار الديمقراطية ما أفسده دهر الاحادية الدكتاتورية فإن الامر في نهايته آيل الى الخسران!!
 المحطة الثالثة: 22أفريل 1992 استمرار لسياسة الاقصاء ومصادرة  حق الشعب في اختيار من ينوبه في مؤسسات سميت بالمجالس الشعبية، المجلس الاعلى للدولة بقيادة المرحوم محمد بوضياف يعلن عن تعيين ستين مستشارا ليسميهم المجلس الاستشاري الوطني خلفا للمجلس الشعبي الوطني المحلول، دون علم رئيسه عبد العزيز بلخادم ذلك المجلس سماه الصحفي القدير بوعقبة المجلس الانكشاري لأنه لم يقم إلا بعمل واحد سيبقى وصمة عار على تلك المؤسسة الى أن يرث الله الارض ومن عليها حيث اجهزت مجموعة عقد الستين كما سماها الشيخ حماني رحمه الله على قانون استعمال اللغة العربية لتجميده وتضعه في المتحف بحجة أن الوقت لم يحن وأن الاطارات المعربة غير موجودة، الامر الذي وسع الهوة بين الشعب والسلطة الفعلية كما تسميها المعارضة الفاعلة وزاد في دائرة الساخطين والناقمين ولم تفوت جمعية الدفاع عن اللغة العربية الفرصة لتقول في بيان شديد اللهجة" إن الجمعية لا تخفي مخاوفها من مغبة التغافل عن حماية هوية الشعب، وفي مقدمتها لغته التي كانت عبر القرون ومازالت اللهجة الاساسية لشد ازر كيانه، وربط اواصره وصد هجمات الفرنسية والتمسيح عليه، ولهذا فإن الجمعية تعتبر أن القرار المذكور حرر لاغيا وولد ميتا"
المحطة الرابعة: 10 أفريل 1994 حكومة رضا مالك وقبل استقالتها بيوم واحد تقدم على قرار غاية في الخطورة وما كانت تستطيع الاقدام عليه لو كانت  الظروف العادية والشرعية الشعبية هي التي تحكم لان تخفيض الدينار الى 40.17% وسع دائرة الفقر والحاجة والمجاعة واسقط حلقات الترابط الاجتماعي ليجعلها في مهب الريح بعد انخفاض القدرة الشرائية الى دون خط الفقر، ذلك القرار ما زلنا نتجرع مرارته الى يومنا هذا والذاكرة الشعبية لن تنس أبدا اليد التي خطت التوقيع مع صندوق النقد الدولي لتجعل منا شعبا يتمنى الخبز والحليب!!
المحطة الاخيرة: 15 أفريل 1999 يوم بلا طعم بلا لون وبلا رائحة إنه يوم الانتخابات الرئاسية المسبقة التي اجهضت يوما واحدا قبل موعدها نتيجة انسحاب ستة مترشحين متهمين الادارة بالتزوير المسبق لصالح مرشح الاجماع، السيد عبد العزيز بوتفليقة. لتشهد الجزائر محطة اخرى لا تحترم فيها المواعيد.. محطة أخرى كان من المفروض أن يقلع منها قطار الديمقراطية نحو وجهته الصحيحة بعد أن ارغم سائقه ذات 11 جانفي 1992 للنزول منه والتخلي عن قيادته ليقوده بدل الواحد خمسة في ضبابية تامة واختراق واضح للدستور ونحو وجهة بالتأكيد كانت مجهولة، دفع فيها الركاب الثمن غاليا لان قطارهم الذي سار في سكة غير سكته ترك منهم أكثر من 1000 ألف قتيل ومليون جريح في طريق وعر مليء بالحواجز المزيفة والكمائن، وما إن أخبروهم بمحطة 15 أفريل 99 القادمة التي حتما ستكون محطة لتغيير القطار وعربة القيادة والسكة وحتى رسم الأمل على وجوه ركاب أنهكهم التعب وأماتهم القلق وكثير منهم انتحروا وبمحض ارادتهم لأن تلك المحطة لم تكن إلا سرابا مثلها مثل محطات أخرى شابهتها في اللون واختلفت معها في التوقيت وإلى لقاء آخر في شهر آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق