الخميس، 5 يوليو 2018

ستــــون عاما علــى رحيـــل الإمــــام صــراع الـزمـن" البـاديسـي" والـزمــن " البـــارســي"!! مقالتي في رسالة الاطلس العدد289 افريل 2000



والجزائر تحيي الذكرى الستين لرحيل راد النهضة والاصلاح الشيخ الإمام " عبد الحميد بن باديس" داهمني شعور مخيف مفاده أن الزمن الباديسي قد انتهى إلى غير رجعة، ودلالات ذلك الاضمحلال، وتداعيات النهاية بدأت يوم جمد قانون اللغة العربية وأقيل الوزير" علي بن محمد" الذي اعتبره ( ابن باديس الثاني)، لتبدأ مرحلة جديدة تشهد على ميلاد الزمن الباريسي العائد من رحم نظريات قريفو ومن تحت قبة المجلي الاستشاري!

عبد الحليم هياق

فهل أخطا ابن باديس عندما قال: " إن هذه الأمة الجزائرية الاسلامية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا ولو أرادت" . فهل نقول لشيخنا اليوم وبعد ستين سنة من رحيله، إننا صرنا فرنسا وبمحض ارادتنا! ففرنسا ليست أرضا على الضفة الشمالية من البحر الابيض المتوسط أو عرقا آريا يتميز ببشرته البيضاء وشعره الأصفر، بل ثقافة أراد لها أصحابها أن تسافر فينا وقد سافرت، ولغة نتخاطب بها ونخاطب بها الغير وقد خاطبنا.
فأين نحن من ذلك الرجل المعمم الذي لا يعرف غير الزي الجزائري لباسا ولا يبغي عنه بديلا؟ أين نحن من رجل قال فيه رفيق دربه الشيخ العربي التبسي " لقد كان الشيخ عبد الحميد هو الجزائر، فلتجاهد الجزائر – الآن- لتكون هي الشيخ ابن باديس".
أين نحن من رجل لو قدر له أن يبعث اليوم لتنكر لهذا الوطن الذي قال عن شعبه يوما        "  شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب".
وقد كان ذلك القصيد الشعار ردا على دعاة التمييز العرقي أبناء الوطنية المزيفة بعد أن قطع ألسنتهم بقوله: " أما أبناء يعرب وأبناء مازيغ فقد جمع بينهم الاسلام منذ بضعة عشر قرنا، ثم دأبت تلك القرون تمزج بينهم في العسر واليسر، وتوحدهم في السراء والضراء حتى كونت بينهم خلال أحقاب بعيدة عنصرا مسلما جزائريا، أمه الجزائر وأبوه الاسلام".
الامام بن باديس الذي كان جزائرا تمشي على قدميها مات وهو مطمئن على الزمن القادم، لأن الزمن الذي عاشه قضاه مشغولا بتأليف الرجال عن تأليف الكتب، وعنه قال الدكتور عبد الرزاق قسوم: " وأنى لرجل مخلص يؤرقه الاستعمار بظلمه، والشعب الجزائري بطموحه المشروع، أنى له أن يشغله تأليف الكتب عن احياء شعبه، وتخليص وطنه، فأخذ العهد على نفسه أن يعمل على اخراج وطنه من نفق الظلم، ومأزق التشويه والمسخ، فحقق الله ذلك على يديه، متعاونا مع ثلة من العلماء العاملين المخلصين تحت راية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي لولاها لكانت جزائرنا مثل جزائر " الواق واق".
الطموح المشروع كان باديسيا بحتا في زمن كان التائهون فيه قلة قليلة، إذ قال الشيخ عن أحد نوابهم في برلمان فرنسا الاستعمارية إنه فتش عن القومية الجزائرية في بطون التاريخ فلم يجد لها أثرا، وفتش عنها في الحالة الحاضرة فلم يعثر على خبر، وأخيرا أشرقت عليه أنوار التجلي فإذا به يصيح فرنسا هي أنا ...واليوم ونحن نحتفل – شكليا- بذكرى رحيل الامام ، ألم نبحر في زمن يخالف ذلك الزمن في لونه ورائحته وطعمه؟ ألم يصيح الكثير منا نحن فرنسا؟!
إن هذا الزمن هو الزمن الباريسي الذي كشر عن أنيابه يحاصر الباديسيين في معاقلهم، التي كان آخرها المدرسة، حيث أرادوها أن تكون على النهج الباديسي جزائرية الروح، عربية اللسان، اسلامية المنهج، لأن ذلك الزمن صنع المدرسة التي صنعت رجالا صنعوا الثورة والتحرير.
واليوم والزمن الباريسي يحاصرنا، فلا نجد بين أيدينا إلا منظومة تربوية مهلهلة أتعبتها التغيرات والترقيعات، ومدارس كالهياكل الخشبية لا روح فيها، لان الروح تتمثل في التربية التي غابت عن مدارسنا ومعها غاب التعليم، فلا التعليم حسنا ولا التربية اخذنا !
وإلا بماذا نفسر حضور الطالبات في الثانويات، وحتى الاكماليات إلى مقاعد الدراسة بالميني جيب أو بالألبسة اللاصقة على الاجساد في استعراض واضح لأنوثة أرهقها الزمن الباريسي فكسرت الطوق الباديسي، فبدت وكأنها في قاعات عرض الازياء لا قاعات العلم والتعلم، وبدون ادنى حياء يمشين في تغنج وتمايل، والكثيرات منهن يمارسون طقوس الحب والجنس مع زملائهن أمام أساتذة وقفوا مشدوهين من هذا الزمن الذي اتهموا فيه بصناعة الارهاب فالتزموا الصمت لتغدوا ساحات جل الثانويات  كالحدائق العمومية !!
ويغدو مع هذه المظاهر الباريسية كلام ابن باديس في خبر كان" إن كل محاولة لحمل الجزائريين على ترك جنسيتهم، أو لغتهم، أو دينهم، أو تاريخهم، أو شيء من مقاومتهم محاولة فاشلة مقضي عليها بالخيبة، والواقع دل على هذا ".
إن الواقع الذي تحدث عنه الامام كان واقعا نستطيع فيه أن نميز الجزائري عن غيره والجزائرية عن القاورية! فلوقت غير بعيد كنا نتنفس فيه هواء باديسيا نقيا قبل أن  يكبس على أنفاسنا، كانت المستقورات أو الداعيات الى ذلك هن الاقليات في مجتمع اتسم – ولو ظاهرا- بانتمائه الحضاري لأمة تسمى الامة العربية الاسلامية. واليوم وشوارع مدننا الكبرى تعج بمظاهر الانحلال الخلقي إلى حد أكاد أجزم فيه أنها تجاوزت في  بعض حالاتها السلبية الشوارع الباريسية.
فهل بقي لنا بعد هذا التحدث عن أقلية مستقورة بعد أن عم الزمن الباريسي مدننا وقرانا وحتى بيوتنا من الداخل، ونخر ما تبقى من الزمن الباديسي الشامخ، وهل ننتظر كثيرا حتى يبعث فينا ابن باديس آخر يحارب هذا الواقع المأساوي، محاربة ابن باديس الاول الذي قال عنه الاستاذ  " محمد الصالح الصديق" في مقالة نشرها بجريدة الرسالة عام 1983 " ولم كل هذا التركيز على الشباب، لأن الواقع السياسي كان مأساويا بحق ولم يكن يومذاك من شباب إلا شباب أنساه التعليم الاستعماري لغته وتاريخه ومجده، وقبح له دينه وقومه، وقطع له من كل شيء الا من أمله وحقره في نفسه تحقيرا .وإلا شباب جاهل أكلته الحانات والمقاهي والشوارع"
ولان الباديسية هي التي حاربت سياسة المسخ إبان الحقبة الاستدمارية  وهي التي وقفت في وجهها أبان الاستقلال ممثلة في ما تبقى من علماء الجمعية وتلامذتهم الذين اكتسحوا حقل التربية والتعليم، فإن دعاة الباريسية باتوا يتحينون الفرص للانقضاض على فريستهم متى أنهكها التعب وعرفوا كيف وأين ومتى ؟ يجعلون من حضورهم جثثا هامدة بلا حراك

 وبالفعل فقد اغتنموا فرصة توقيف المسار الانتخابي وتدهور الوضع الامني الذي حمل جزء كبير منه للمدرسة الباديسية ورجالاتها، حيث اتهمت صراحة وعلى الملأ بصناعة تيار اسلامي متشدد، ولتكسير عظام ذلك التيار وأتباعه قاموا بتجميد استعمال اللغة العربية التي عاش لأجلها ومات لأجلها" عبد الحميد بن باديس" ، وأجهضوا عمل السنوات الخضر فجعلوها سنوات عجافا، وكانت وزارة التربية الوطنية تحت قيادة بن محمد ( ابن باديس الثاني) هدفا لأولئك الادعياء
وصلت الى حد تسريب أسئلة البكالوريا لاتهامه وجهازه بالتقصير لإخراجه من الباب الضيق، ليس لشيء إلا أنه أراد وضع الفرنسية موضعها الطبيعي داخل دولة ينص دستورها على أن اللغة الوطنية والرسمية هي العربية، ولم يكن " بن محمد" غبيا عندما وضع لغة" فافا" على المحك بجعلها مادة اختبارية في السنة الرابعة أساسي مع الانجليزية، بعد أن كانت اجبارية على أطفالنا ابتداء من السنة الثالثة أساسي.
وقبل أن يغادر الوزراة كان قد تعرض لهجوم كاسح قادته منظرة العصر الحديث السيدة " قريفو" بعد أن أقامت الدنيا ولم تقعدها، حتى اسقط ابن باديس الثاني من على عرش الوزراة .
ولأن " قريفو" لم تكن الا الوجه الظاهر لعملية كبرى الهدف من ورائها ايقاف الزمن الباديسي الذي انتد فينا سنوات طويلة
اتهامات قريفو  للمدرسة الأساسية ومن حولها لاقت ردا عنيفا من وزارة التربية الوطنية نشر في جريدة الشعب بتاريخ 04 ماي 1992 وكان أهم ما جاء في هذا الكلام" إننا في وزارة التربية الوطنية لا نعرف السيدة قريفو إلا من زاويتين اثنتين":
الأولى: كونها مواطنة جزائرية اشتهرت في بعض الاوساط بأنها تصر بشكل مفضوح وبطريقة سافرة على تحدي قوانين البلاد، ووضع نفسها خارج إطار الشرعية في مسألة لا تقتصر فيها نتائج المغامرة على نفسها، بل تتجاوزها إلى التغرير بالأولياء، وإلحاق الضرر بالأطفال الأبرياء، وهي تفتخر بذلك في كل مناسبة، وتتبجح بمخالفاتها المتكررة، فيعجب كلامها بعض الجهات المعروفة فتثني على (شجاعتها) وتبارك وتحمي مبادرتها، وكل ذلك في الوقت الذي يتحدث فيه الكل عن دولة القانون وهيبة الدولة، وفرض احترامها على الجميع، ألا تبدأ هيبة الدولة من احترام القانون، كيفما كان؟
الثانية: كونها لا يسمع لها صوت، ولا تظهر في مناسبة ما، ولا تكتب حرفا، ولا تدلي بتصريح إلا سودت في كل ذلك وجه المدرسة الجزائرية، وقارنتها" بالتجربة الكلبية" وألصقت بها ما شاء لها خيالها " الخصب" من التهم الباطلة، والنقائص المزعومة، والعيوب المصطنعة، وكل ذلك في لهجة من يتطاول على المربين الجزائريين ويجرمهم ويرمي الى النيل من أقدس ما لديهم، كرامتهم، والوفاء للمهمة التي انتدبتهم لها الامة والاخلاص للرسالة التي نذروا حياتهم لها، ولله در من قال: " والذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا .
وختم الرد " أما عن تطاولك واتهامك للسيد الوزير بأنه أخذ السلطة باسم التعريب، فنترك له أن يختار الوقت الذي يراه مناسبا ليجيبك على كل ذلك ".
وبالفعل فقد كان للوزير المعرب فرصة الرد الواضح في حوار مطول اجرته معه جريدة "الوحدة" جاء فيه على الخصوص "إن المنظومة المدرسية قد حققت في بلادنا المطلب الذي رفعته اجيال متعاقبة من الوطنيين والمناضلين والمجاهدين ، تلك الاجيال التي كانت ترى في محاربة  الاستعمار اسلوبا لتحقيق الذات الجماعية للامة من خلال قيمها الروحية المتمثلة في ديننا الاسلامي الحنيف، ومقومات الحضارة المتمثلة في لغتنا العربية، وثقافتنا العربية الاسلامية دون أن يكون في ذلك أي معنى من معاني التصارع مع الواقع المحلي في بعض جهات من الوطن، ولكن بعض الناس، ومنهم من يزعمون أنهم ينتمون الى اسرة التربية، ممن أكلوا الزقوم في  كل القطاع  حتى انتفخت منهم البطون، وعملوا تحت امرة  كل من عرف بمعاداة العربية والتنكر لها ومحاربتها، ومازالوا الى اليوم تقودهم أنانيتهم الدنيئة، واطماعهم الرخيصة الى التمسح بأعتاب أشد أعداء العربية والتعريب، وأكثرهم قساوة في محاربة أهلها، يتمسحون بأعتابهم وينبطحون لمرآهم، وكل مبتغاهم المخجل أن يبقوا على مقعد أعرج يتشبثون به، ورغم تذمرهم في المحافل بأنهم يجدون رائحة التراجع عن التعريب، والخوصصة في ملفنا عن اعادة هيكلة التعليم الثانوي ويستأسدون في استعراض معارفهم الضحلة، فإننا نذكر بأن أصحاب المشاريع" الخوصصية" الذين لا يخفونها، ولا ينكرون العمل من أجلها، هم الذين فضحوهم، وألجموا منطقهم الثرثار أمام الملأ وعلى رؤوس الاشهاد، فليناقشوهم في أمر تلك المشاريع أو في مناهج التعليم إن كان " في بني عمهم رماح"، وفي ميدان التعريب يكفيني فخرا أنني كنت ممن  تعهدوا بمسيرته الاولى ورعوا أولى خطواته الفعلية على الطريق الصحيح ما بين 1970-1977 فلا نامت عيون الجبناء. الوحدة العدد 566-06/05/1992
وأنا بدوري أقول لا نامت أعين من أسقطوك وأبعدوك عن سدة الوزارة التي كادت أن تشق في عهدك الباديسي طريقها الصحيح نحو مدرسة جزائرية الروح، عربية اللسان، اسلامية المنهج، متفتحة بدون خجل ولا عقدة على التطور التكنولوجي المتسارع في عالم لا يعرف التراجع ولا التوقف. ولا هنأت أقدام المتجنسين على أرضنا الذين قال فيهم الدكتور أحمد بن نعمان " فإن من بين هؤلاء (المتجنسين) من ضحى ومازال يضحي- حتى هذه اللحظة- بروحه من أجل الأمة الفرنسية، بقيمها، ووحدتها الترابية، واشعاع ثقافتها، وسيادة لغتها داخل التراب الوطني وخارجه في مختلف الاقطار الفرنكوفية مشرقا ومغربا"  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق